أبي منصور الماتريدي
256
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ألا ترى أنه ذكر في الناسخ عددا غير العدد الذي في المنسوخ ؛ ذكر العشرين لمائتين ، وفي الناسخ ذكر الألف لألفين بقوله : وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ . فإن كان لا على التحديد فيلزم الواحد القيام لاثنين ، وفي الأول الواحد لعشرة ؛ وعلى ذلك روي عن عمر - رضي الله عنه - قال : إذا لقي الرجل رجلين من الكفار فاستأسر ، فلا فداء له علينا ، فإذا لقي ثلاثة فأسر ، فعلينا فداؤه . ولم يجعل للواحد الفرار من اثنين ؛ حيث لم يوجب عليه الفداء ، وقد جعل له الفرار عن ثلاثة ؛ حيث جعل عليه الفداء . وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال ذلك « 1 » . ويحتمل على التحديد ، إذا كمل العدد الذي ذكر لم يسع الفرار ، ويلزمهم القيام لهم ، وإذا كانوا دون ذلك لم يلزم . وكذلك قال الحسن : أمر أن يصبر عشرون لمائتين ، إن فروا منهم لم يعذروا ، وأن يصبر الألف لألفين ، إن فروا منهم لم يعذروا . قال : ثم أنزل الله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فأمر أن يصبر مائة لمائتين ، وإن فروا منهم لم يعذروا ، وأن يصبر الألف لألفين ، إن فروا منهم لم يعذروا ؛ فإن كان على التحديد ، فهو على ما يقولون أنهم [ ما ] « 2 » لم يكونوا منعة فإنه يسعهم ألا يقاتلوا . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ . قال بعضهم : الصبر : هو حبس النفس على ما أمر الله ، وكفها عن جميع شهواتها ولذاتها ، فإذا فعل ذلك غلب على العدو وقهره . وقال بعضهم : الصبر : هو أن يوطن نفسه في القتال مع العدو ويحبسها في ذلك . والشكر ، قيل : هو أن يبذل نفسه وما تحويه يده لله ، لا يجعل لغيره ، فيكون الشكر والصبر في الحاصل سواء ، وإن كانا في العبادة محتلفين ؛ لأن الشكر : هو بذل النفس وما حوته يده لله ، والصبر : هو الكف والإحباس على جميع ما أمر الله ، وأداء ما فرض الله عليه ، فإذا حبسها عن غيره يكون باذلا ؛ ولهذا سمي الصبر إيمانا بقوله : إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . الآية [ هود : 11 ] ، ذكر الصبر - هاهنا - مكان ما ذكر في غيرها الإيمان بقوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الآية [ الشعراء : 227 ] .
--> ( 1 ) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم ( 3 / 363 ) عن ابن عباس بنحوه . ( 2 ) سقط في أ .